محمد محمد أبو موسى

291

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ثم لم تنتهزها استبعادا لتركه الانتهاز ، ومنه « ثم » في بيت الحماسة : لا يكشف الغماء إلا ابن حرّة * يرى غمرات الموت ثم يزوره استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها وأطلع على شدتها » « 146 » . وقد تكرر هذا في قوله تعالى : « يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها » « 147 » يقول فيها : « فان قلت : ما معنى « ثم » ؟ قلت : الدلالة على أن انكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر » « 148 » . ومثله ما يذكره في قوله تعالى : « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ » « 149 » . الثاني : بيان البعد بين الأمرين وهذا غير الاستبعاد إذ المراد أن الأمرين من جنس واحد ولكن ما بعد « ثم » أعلى مرتبة في هذا الجنس وأبلغ مما قبلها ، فليس بين الأمرين منافاة كما في الاستبعاد وانما بينهما تفاوت وهما من جنس واحد . ومن ذلك ما ذكره في قوله تعالى : « خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها » « 150 » فقد قال : « فان قلت : ما وجه قوله : « ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها » وما يعطيه من معنى التراخي ؟ قلت : هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالا على وحدانيته وقدرته : تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم ، وخلق حواء من قصيراه - بضم القاف وفتح الصاد أي أسفل أضلاعه - الا أن أحدهما جعلها اللّه عادة مستمرة ، والأخرى لم تجر بها العادة ولم

--> ( 146 ) الكشاف ج 2 ص 407 . ( 147 ) النحل : 83 . ( 148 ) الكشاف ج 2 ص 488 . ( 149 ) ينظر الكشاف ج 1 ص 119 - والآية من سورة البقرة : 84 ، 85 . ( 150 ) الزمر : 6 .